القائمة الرئيسية

الصفحات

مقالة هل تقاس الرياضيات ببداهتها أم بمدى انسجامها

مقالة فلسفية : مطلقية الرياضيات

السلام عليكم متابعي وزوار موقع ديزاد باك التعليمي مرحبا بكم في هذه التدوينة الجديدة التي بحول الله سنشارك معكم مقالة مطلقية الرياضيات من اعداد الأستاذ خليل سعيداني المأخوذة من كتابه : كتاب المراجعة شاملة .

صيغ السؤال

هل الرياضيات مطلقة أم نسبية؟ 
هل نتائج الرياضيات ثابتة أم متغيرة؟ 
هل تقاس الرياضيات ببداهتها أم بمدى انسجامها؟

تاريخ وروده في البكالوريا

 لم يرد في البكالوريا

فهم السؤال

. يحي السؤال بوجود موقفين متناقضين متعارضين، المطلوب مني هوالفصل في القضية.
. الطريقة المناسبة هي الجدلية

طرح المشكلة

تعتبر الرياضيات من أقدم البحوث الفكرية التي خاض فيها الإنسان ومن أكثرها إثارة لاهتمامه، فهي تعد علما يدرس الكم المتصل - الهندسة - والكم المنفصل -الجبر- والمعرفة الرياضية توصف بأنها صحيحة ويقينية في منطلقاتها ونتائجها، ولكن التساؤل حول معيار الحقيقة واليقين في الرياضيات کشف لنا انه لا يوجد معیار واحد في الرياضيات الإقليدية والرياضيات المعاصرة، ذلك أن الرياضيات الإقليدية تعتقد جازمة ببداهة ووضوح مبادئها، وترى في نفسها النموذج الوحيد في الصدق المطلق، أما الرياضي المعاصر فهو يرى أن عدم تناقض المقدمات مع النتائج وتحقيق الانسجام هو معيار اليقين في الرياضيات الجديدة، وفي ذلك نطرح السؤال التالي: هل معیار اليقين في الرياضيات يتمثل في بداهة ووضوح مبادئها أم يتمثل في انسجام نتائجها مع مقدماتها؟ بمعنى هل الرياضيات مطلقة أم نسبية؟

محاولة حل المشكلة

الموقف الأول: 
يرى أنصار الرياضيات الكلاسيكية أن معيار اليقين في الرياضيات يتمثل في بداهة ووضوح مبادئها، حيث تاسست الرياضيات الكلاسيكية تاريخيا على يد إقليدس، وسيطرت رياضياته الكلاسيكية على العقل البشري، حتى ظن العلماء أنها الرياضيات الوحيدة التي تمتاز نتائجها بالصحة والمطلقية لذا يقول عنها كانط: "إن اوثق ما نعرفه عن العالم هندسة إقليدس وفیزیاء نیوتن"، ويقول عنها دیکارت: "إن هندسة إقليدس تمثل بين الرياضي الذي لا يمكن نقضه"، حيث اعتمدت الرياضيات الكلاسيكية على مجموعة من المبادئ أو المنطلقات، وهذه المبادئ هي التعريفات الرياضية وهي أولى القضايا التي يلجأ إليها الرياضي من اجل التميز بين المعاني الرياضية بعضها من بعض، ومن أهم التعريفات الإقليدية الرياضية، نجد تعريف المثلث بانه شكل هندسي له ثلاثة أضلاع مجموع زواياه تساوی 180 درجة، يقول كانط: "إن الرياضيات تمتلك وحدها التعريفات اليقينية ولا يمكن لها أن تخطى"، وأما البديهيات فهي قضايا واضحة بذاتها صحيحة وصادقة بذاتها لا تحتاج إلى دليل على صحتها، أي يدركها العقل مباشرة دون برهان، ومن بديهيات إقليدس التي تقول إن الكل اكبر من الجزء والجزء اصغر من الكل، وأيضا المسلمات التي تسمى أحيانا بل المصادرات  وذلك لأن الرياضي هو الذي يضعها فهي إذن قضايا لا نستطيع البرهنة على صحتها، وليست واضحة بذاتها ولكننا نلجا إلى التسليم بصحتها، ومن مصادرات إقليدس مثلا نذكر من نقطة خارج مستقيم لانستطيع رسم إلا مستقیما واحدا مواز للمستقيم الأول، المستقيمان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان وتسمى هذه المبادئ في مجموعها بالمبادئ الرياضية الكلاسيكية.

النقد
بالرغم من سيطرة الرياضيات الكلاسيكية والتي كانت حتى القرن 19 ماخوذة كحقيقة رياضية مطلقة إلا أنها أصبحت تظهر كحالة خاصة من حالات الهندسة فقط وما كان ثابتا ومطلقا أصبح متغيرا ونسبيا وذلك مع ظهور الهندسات اللااقليدية التي استطاعت تجاوز الهندسة الكلاسيكية ومبادئها.

الموقف الثاني:
وفي المقابل ترى الرياضيات المعاصرة أن الرياضيات نسبية وأن معیار اليقين فيها يتمثل في مدى الانسجام والتسلسل المنطقي بين المنطلقات وبين النتائج المترتبة عنها، وهذه الأطروحة الحديثة قامت بالنقد والتشكيك في مبادئ ونتائج الرياضيات الكلاسيكية، وهي أطروحة يمثلها الفرنسي روبير بلا نشي والروسي لوبا تشيفسكي والألماني ريمان حيث انتقد الفرنسي روبير بلانشي في كتابه الأكسيوماتيك المبادئ الثلاثة للرياضيات الكلاسيكية حيث انتقد بلانشي التعريفات الإقليدية ووصفها بأنها تعريفات لغوية لا علاقة لها بالحقيقة الرياضية فهي تعريفات نجدها في المعاجم اللغوية، وهي بذلك تعريفات تشبه إلى حد بعيد التعريفات في العلوم الطبيعية، وانتقد بلانشي البديهية أيضا معتبرا أنها قضايا يجب البرهنة على صحتها وإذا لم نتمكن من ذلك وجب اعتبارها مسلمة أي مصادرة، أما المسلمات فباعتبارها قضايا لا نستطيع البرهنة عليها فان ذلك تسليم بالعجز، وعليه اعتبر بلانشي أن أنسب مبدأ للرياضيات هو مبدأ الفرضيات، ومن هنا فإن هندسة إقليدس لم تعد توصف بالكمال المطلق، ولا تمثل اليقين الرياضي الذي لا يمكن نقضه، فلقد أصبحت واحدة من عدد غير محدود من الهندسات الممكنة والتي لكل منها مبادئها الخاصة بها، وفي هذا المعنى يقول بوليغان: "إن كثرة الأنظمة في الهندسة لدليل على إن الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة"، ومن هذا المنطلق ظهرت في القرن التاسع عشر أفكارا رياضية هندسية جديدة تختلف عن رياضيات إقليدس وسميت بنظرية النسق الأكسيوماتيكي أو بالهندسات اللاإقليدية، وتجلى ذلك بوضوح من خلال أعمال العالمين الرياضيين لوباتشيفسكي الروسي وريمان الألماني، ففي سنة 1830م جاء العالم الرياضي الروسي لوباتشيفسکی وتصور مكانا أخر يختلف عنه وهو المكان المقعر أي الكرة من الداخل، وفي هذه الحالة تمكن من الحصول على هندسة تختلف عن هندسة إقليدس، أي من خلال هذا المكان أعلن لوباتشيفسکي انه بإمكاننا أن نرسم متوازيات كثيرة من نقطة خارج مستقيم، والمثلث تصير مجموع زواياه اقل من 180 درجة، وفي سنة 1854م أتى الألماني ريمان فتصور المكان محدودبا أي الكرة من الخارج واستنتج بناء على ذلك هندسة جديدة ترى انه لا يمكن رسم أي مواز من نقطة خارج مستقيم، وكل مستقیم منتهی لأنه دائري وجميع المستقيمات تتقاطع في نقطتين فقط والمثلث مجموع زواياه أكثر من 180درجة.... وعای هذا الأساس فان الحقيقة الرياضية لم تعد تعني البداهة والوضوح وإنما تعني الانسجام بين المقدمات والنتائج وأصبحت أنساقها افتراضية بعيدة عن الواقع وفي هذا المعنى يقول برتراند راسل: "إن الرباعي المعاصر يشبه خياط الملابس يخيط بدلات ولا يعرف أصحابها" أي أنه يؤلف أنساقا صيحة من الناحية المنطقية ولا يهمه صحتها من الناحية الواقعية.

النقد:
و لا ننكر أن الرياضيات المعاصرة قد أسقطت فكرة البداهة والمطلقية عن الرياضيات الكلاسيكية، ولكن اذا كان الرياضي المعاصر حرا في اختيار مقدماته فهذا لا يعني أن يتعسف في اختياره ووضعها، بل يجب أن يخضع في وضعها إلى شروط منطقية صارمة تنسجم فيها هذه المقدمات مع نتائجها انسجاما منطقيا ضروريا وأن يعتمد على اللغة الرمزية. 

التركيب:
من خلال ما سبق عرضه في الموقفين نلاحظ أن هناك تعددا في الأنساق الرياضية ولكن هذا التعدد لم يقضي على يقين كل واحدة منها، فكل هندسة تعتبر صادقة إذا أخذت داخل نسقها، وهذه الصفة تجعل من حقائقها الرياضية حقائق يقينية نسقية فكل حسب مبادئه.

 لهذا يبدو إلى أن الرياضيات أصبحت أنساقا افتراضية متعددة بعيدة عن الارتباط بالواقع ولعل هذا ما ذهب إليه روبير بلانشي في قوله: "أما بالنسبة للأنساق الرياضية فلم يعد الأمر يتعلق بصحتها أو بفسادها من الناحية الواقعية، اللهم إلا بالمعنى المنطقي للانسجام أو عدم التناقض الداخلي، والمبادئ التي تحكمها ليست سوى فرضیات"، ويفهم من هذا أن الفكر الرياضي تحول من الواقعي إلى الافتراضي وأصبحت المبادئ فرضیات بعدما كانت مسلمات.

حل المشكلة

من خلال ما سبق نستنتج إن الرياضيات الإقليدية لم تعد توصف بالكمال والمطلقية، ولم تعد تمثل اليقين الرياضي الوحيد الذي لا يمكن نقضه، بل أصبحت واحدة من عدد غير محدود من الهندسات الممكنة التي لكل منها مبادئها الخاصة بها، ولذلك فإن تعدد الأنساق الرياضية هو دليل على خصوبة الفكر في المجال الرياضي وليس التعدد عيبا ينقص من قيمتها أو يقينها، بل هذا دليل على الإبداع.

تعليقات